الشيخُ العلّامة، فقيهُ الديار ومُسنِدها، عبد الرحمن بن ناصر السالم، وُلد بقرية «الجَوّ» من أعمال القصيم سنة 1931، ونشأ في بيت علمٍ وفقر، وتوفي بها سنة 2009 عن ثمانٍ وسبعين سنة، بعد أن ملأ البلاد تلاميذَ وكتبًا.
في بيتٍ لا يُطفأ فيه سراج
كان أبوه إمامَ مسجدٍ صغير لا يزيد رزقُه على ما يقيم الصلب، غير أنه كان يشترط على نفسه ألّا ينام حتى يقرأ جزءًا. وفي هذا البيت حفظ الصبيُّ القرآن قبل أن يبلغ الثانية عشرة، ثم دُفع إلى الكُتّاب فما لبث أن سبق أقرانه.
وكانت تلك السنوات سنواتِ ضيقٍ شديد على أهل نجد؛ فالقحط متتابع، والناس يتناقلون أخبار الحرب البعيدة ولا يعرفون منها إلا اسمها. ولذلك حين سُئل بعد ستين سنة عن سرّ جَلَده أجاب بكلمةٍ واحدة: «ما وجدنا لذّةً غيره».
الشيخ الذي مشى إليه على قدميه
لازم الشيخَ محمدًا الحمود اثنتي عشرة سنة، قرأ عليه في الفقه والأصول والحديث، وكان يمشي إليه من قريته فراسخ، فإذا وصل جلس في آخر الحلقة لا يتكلم. قال عنه شيخُه بعد ذلك كلمةً تُروى عنه: إنه كان أحفظنا وأقلَّنا كلامًا.
ثم أُجيز في الرواية سنة 1958، وهي إجازةٌ مثبتة بخط الشيخ نفسه في نسخةٍ محفوظة عند أسرته.
حين اختُبر
في سنة 1979 عُرض عليه منصبٌ رفيع، فاعتذر في مجلسٍ حضره جماعةٌ من أهل العلم بكلمةٍ نُقلت عنه: «لا أحسن غير التدريس، ومن لم يُحسن شيئًا فلا ينبغي أن يتصدّر له».
ويا للعجب من زمانٍ صار فيه الاعتذار عن المنصب خبرًا يُنقل ويُتعجَّب منه!
ولستُ أذكر هذا الخبر تزكيةً مطلقة؛ فقد يعتذر الرجل عن المنصب لعجزٍ أو لهيبةٍ لا لورع. لكنّ الذي رجّح عندي أنه ورعٌ أنّه ثبت على الاعتذار نفسه ثلاث مرات في ثلاثين سنة، وفي أحوالٍ مختلفة، وآخرها وهو محتاج. والفعل إذا تكرر في الأحوال المتضادة دلّ على أصلٍ في صاحبه.
تصانيفه
لم يكن مكثرًا، وكان يقول: «الكتاب الذي لا يُغني عن غيره لا يستحق أن يُتعب الناس بقراءته». ومن أنفع ما ترك:
- إرشاد السالك إلى أحكام المناسك — رسالة صغيرة في الحج، طُبعت أكثر من عشرين طبعة، وتُرجمت إلى ثلاث لغات.
- القول السديد في مسائل التوحيد — شرحٌ مبسوط ألقاه في حلقاته على مدى أربع سنوات، جمعه تلاميذُه وراجعه بنفسه.
- الفوائد المنتقاة — مجموع تعليقاته على حواشي كتبه، نُشر بعد وفاته.
ما أُخذ عليه
ولم يسلم — وهو بشر — من مآخذ. أُخذ عليه قولُه في مسألة توقيت الزكاة، وهو قولٌ مرجوح خالف فيه ما عليه جمهور أهل العلم، وله فيه مأخذٌ من الدليل وإن كان ضعيفًا. وأُخذ عليه شدّةٌ في مجلسه على من يُكثر السؤال.
والزلّة لا تهدم الإمامة، ولو أُسقط كلُّ إمامٍ بزلّة ما بقي لنا من التراث شيء. والذي يُقال في هذا الباب: يُرَدُّ القول ويُحفظ قدرُ صاحبه، فالحقُّ متبوع، والخطأ مردود، والفضلُ محفوظ.
آخر مجلس
حضر آخر دروسه في رجب من سنة 2009 وهو لا يكاد يُبين من الضعف، فقُرئ عليه بابٌ من كتاب الجنائز، فبكى، ثم قال: «قد قرأناه على غيرنا، وسيُقرأ علينا». ومات بعدها بأحدَ عشر يومًا. وشهد جنازتَه جمعٌ لم تشهد البلدة مثله.
رحمه الله رحمةً واسعة، وجزاه عن السنة وأهلها خيرًا، وجعل ما نشره من العلم في ميزانه إلى يوم يلقاه.